القرطبي

52

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فسيملئون الأرض ، ويجلون أهلها فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ؟ ذكر الحديث ، وسيأتي من صفة يأجوج ومأجوج والترك إذ هم نوع منهم ما فيه كفاية . قوله تعالى : ( قلنا يا ذا القرنين ) قال القشيري أبو نصر : إن كان نبيا فهو وحي ، وإن لم يكن نبيا فهو إلهام من الله تعالى . ( إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) قال إبراهيم بن السرى : خيره بين هذين كما خير محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " ( 1 ) [ المائدة : 42 ] ونحوه . وقال أبو إسحاق الزجاج : المعنى أن الله تعالى خيره بين هذين الحكمين ، قال النحاس : ورد علي بن سليمان عليه قوله ، لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا ، فكيف يقول لربه عز وجل : " ثم يرد إلى ربه " ؟ وكيف يقول : " فسوف نعذبه " فيخاطبه بالنون ؟ قال : التقدير ، قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين . قال أبو جعفر النحاس : هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شئ . أما قوله : " قلنا يا ذا القرنين " فيجوز أن يكون الله عز وجل خاطبه على لسان نبي في وقته ، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال لنبيه : " فإما منا بعد وإما فداء " ( 2 ) [ محمد : 4 ] ، وأما إشكال " فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه " فإن تقديره أن الله تعالى خيره بين القتل في قوله تعالى : " إما أن تعذب " وبين الاستبقاء في قوله عز وجل : " وإما أن تتخذ فيهم حسنا " . قال لأولئك القوم : ( أما من ظلم ) أي أقام على الكفر منكم ، ( فسوف نعذبه ) أي بالقتل : ( ثم يرد إلى ربه ) أي يوم القيامة : ( فيعذبه عذابا نكرا ) أي شديدا في جهنم . ( وأما من آمن ) أي تاب من الكفر : ( وعمل صالحا ) قال أحمد بن يحيى : ( أن ) في موضع نصب في ( إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) قال : ولو رفعت كان صوابا بمعنى فإما هو ، كما قال : فسيرا فإما حاجة تقضيانها * وإما مقيل صالح وصديق ( فله جزاء الحسنى ) قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم : " فله جزاء الحسنى " بالرفع على الابتداء أو بالاستقرار . و " الحسنى " في موضع خفض بالإضافة ويحذف التنوين للإضافة ، أي له جزاء الحسنى عند الله تعالى في الآخرة وهي الجنة ، فأضاف الجزاء إلى الجنة ، كقوله :

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 182 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 16 ص 225 فما بعد .